ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لنسخة هذا العام من معرض الدوحة الدولي للكتاب، شهد المسرح الرئيسي، ندوة فكرية بعنوان “نـحو موسوعة عربية”، حظيت بحضور لافت من المثقفين والأكاديميين.
وسلطت الندوة الضوء على واقع وطموحات العمل الموسوعي في المنطقة بمشاركة بارزة لعدد من باحثي المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الذين استعرضوا ملامح مشروع الموسوعة العربية الشاملة “أرابيكا”، بوصفه خطوة استراتيجية لسد الفجوة الرقمية وإعادة التوازن للمحتوى المعرفي الناطق باللغة العربية على شبكة الإنترنت.
افتتح الندوة وأدارها د. حسام الحافظ (الباحث بالمركز العربي)، متسائلا عن الخصوصية التاريخية للتأليف الموسوعي العربي وأسباب تأخر إنتاج عمل شامل يواكب العصر.
وفي هذا السياق، أكدت د. زهية جويرو (أستاذة الدراسات الإسلامية وباحثة المركز) أن الصناعة الموسوعية ارتبطت تاريخياً بمراحل التدفق العلمي والنهضة الحضارية، مستشهدة بـ”عصر الأنوار الإسلامي” في القرن الثالث الهجري، ومحاولات القرن التاسع عشر التي أجهضها الاستعمار.
وأوضحت د. جويرو أن مشروع “أرابيكا” استخلص من التاريخ درسين بليغين: الأول أن المشاريع الفردية تنتهي برحيل أصحابها، مما حتم تحويل الموسوعة إلى عمل مؤسسي مستدام تحت مظلة المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، مستفيدا من خبراته المتراكمة في مشروع “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية”. أما الدرس الثاني، فهو الانتقال من الصبغة المحلية الإقليمية للموسوعات الوطنية إلى مشروع جامع يغطي كافة الأقطار العربية على قدم المساواة.
وفي قراءة للتحديات الفنية، أفاد د. رائد السمهوري (باحث أول ومحرر علمي بالموسوعة) بأن المحتوى الرقمي العربي لا يتجاوز حالياً 0.6% من الإنتاج العالمي، وهو رقم لا يمثل أمة تقارب 500 مليون مواطن، مما يجعل الموسوعة “واجب الوقت” لتوحيد المصطلحات ورفد الجامعات بمرجع أكاديمي موثق وموثوق لا يعاني من ثغرات “ويكيبيديا”.
وأشار د. السمهوري إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في مسابقة الزمن، وضمان التمثيل العادل لكافة مكونات المجتمعات العربية، بالإضافة إلى ترويض الأسلوب الأكاديمي للمستكتبين، حيث يتطلب القالب الموسوعي تجريد المادة من الجدل، والردود، والنزعة الأسلوبية الشخصية، لتقديم حقيقة علمية مجردة وواضحة.
من جانبه، استعرض د. طارق حمود (باحث المركز ومنسق مشروع أرابيكا) الواقع الرقمي الراهن، مشيراً إلى أن قرار إطلاق موسوعة في زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعي يتطلب شجاعة وجرأة كبرى.
وحول الجدوى من هذا الجهد، قال د. حمود: “في ظل الإرباك المعرفي واختلاط المصادر الحالي، تبرز الحاجة الملحّة لموسوعة رصينة منضبطة تكون هي المرجعية الأساسية التي تستقي منها نماذج الذكاء الاصطناعي مادتها، بدلاً من الاعتماد الكلي على معارف عالمية مكتوبة بلغات أجنبية لا تمثل هويتنا”.
وكشف د. حمود أن الموسوعة، التي انطلقت قبل نحو أربع سنوات، نجحت حتى الآن في استكتاب أكثر من 1500 مؤلف عربي، وبمشاركة 200 محرر علمي، لتثمر الجهود عن إنتاج 30 مليون كلمة حتى اللحظة. وأعلن أن بداية عام 2027 ستشهد الانطلاقة الرسمية للمرحلة الأولى من الموسوعة، مؤكدا أن “أرابيكا” لا تترجم المعرفة بل تكتبها بأقلام عربية، متبنية موقفاً وانحيازاً حضارياً واضحاً في قضايا الأمة كالدين والاستعمار والقومية، بعيداً عن الحياد السلبي.
وعن آليات العمل الداخلي، شدد المتحدثون على أن كل مدخل موسوعي يخضع لرحلة تدقيق معقدة تشمل خمس إلى ست مراحل، تبدأ بالفرز الأولي للتأكد من هوية النص كمدخل موسوعي (وليس مقالا صحفيا أو بحثا تحليليا)، ثم التحكيم العلمي الحيادي عبر شبكة تضم 800 محكم أكاديمي حول العالم، مروراً بالتدقيق اللغوي، وصولاً إلى التحرير الموسوعي الذي يضبط عناصر العرض البصري والرقمي من وسائط وصور وملفات صوتية تخدم قارئ العصر الحديث.
خلصت الندوة إلى أن موسوعة “أرابيكا” تمثل منصة حية وقابلة للتطور، حيث أكد القائمون عليها أن التفاعل متاح ومرحب به للعموم من خلال قنوات الاستدراك والنقد المنهجي عبر المحررين العلميّين.
وشهدت الجلسة تفاعلا واسعا من جمهور المعرض ونقاشات أثرت المحاور المطروحة، لتؤكد الدوحة مجدداً، من بوابة معرضها الدولي للكتاب، دورها الريادي في رعاية المشاريع المعرفية الكبرى وحماية الهوية الثقافية العربية في الفضاء الرقمي.
