Cultural & Public Diplomacy

باحثة في مؤسسة قطر تدعو إلى ترسيخ عادات رقمية صحية لدى الأطفال منذ الصغر

Dr. Sanaa Al-Harahsheh, from QF’s global healthcare initiative WISH, underlines setting healthy boundaries early, strengthening online safety, and building a healthier relationship with technology

الدكتورة سناء الحراحشة - من مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (ويش) إحدى مبادرات مؤسسة قطر - تؤكد أهمية وضع ضوابط صحية ومتوازنة لاستخدام الأطفال المحتوى الرقمي

يرتبط مفهوم الأمن السيبراني في أذهان أغلب الناس بالبرمجيات وحماية الأجهزة وكلمات المرور والأنظمة الإلكترونية. إلا أن أمن الأسرة الرقمي يحمل أبعادًا أعمق من ذلك؛ فهو يمس مباشرة الصحة النفسية للأطفال، وسلامة نموهم ورفاههم، وطبيعة علاقتهم بالتكنولوجيا. فالسلامة الرقمية للأبناء تقتضي حماية خصوصيتهم، ومساعدتهم على تمييز العلاقات الافتراضية غير الآمنة أو المشبوهة، ومعرفة هوية من يشاركونهم الفضاء الرقمي بدقة.

من هذا المنطلق، تسلط الدكتورة سناء الحراحشة، مدير البحوث في مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (ويش)، إحدى مبادرات مؤسسة قطر، الضوء على جوانب عدةٍ من تأثير الحياة الرقمية على الصحة النفسية للأطفال والأسر – وهو المحور الأساسي الذي تركز عليه أبحاثها حاليًا. وتوجّه الدكتورة الحراحشة رسالة بسيطة إلى أولياء الأمور مفادها أن الوقاية خير من العلاج؛ فالتحديات المرتبطة بالتكنولوجيا تتزايد تشعبًا وعمقًا، ما يفرض ضرورة ملحة لوضع ضوابط صحية لاستخدامها منذ الصغر. وحول هذا الواقع، تحذر الدكتور قائلة: "ابدأوا بالوقاية، لأن التكلفة ستكون باهظة لاحقًا"، مشيرة إلى التبعات النفسية والاجتماعية المترتبة عن الإفراط الرقمي، ناهيك عن خسارة زمن أسري كبير لا تستطيع الأسر تعويضه - والذي كان من المفترض تسخيره لتعزيز الترابط بين أفرادها.

ولا تقتصر مخاوفها على المحتوى الذي يتعرض له الأطفال عبر الإنترنت، بل تمتد إلى التغيرات التي تطرأ تدريجيًا على الحياة الأسرية. وتصف هذه المخاطر بأنها خفية وغير ملحوظة، وقد تبدأ من مائدة الطعام، حين ينادي الوالدان على أبنائهما لتناول وجبة طعام معًا، لكنهم يفضّلون البقاء في غرفهم، أو يكتفون بالرد عبر رسائل نصية، رغم وجودهم جميعًا تحت سقف واحد. وتقول: "لقد أثّر ذلك على التفاعل اليومي بين أفراد الأسرة وعلى العلاقات فيما بينهم".

وتنعكس هذه الممارسات أيضًا على الحالة النفسية للأطفال وانفعالاتهم. وتوضح الدكتورة الحراحشة أن بعض الأطفال "يشعرون بالغضب والتوتر" عند سحب أجهزتهم الإلكترونية منهم. كما تفرض الألعاب الإلكترونية ضغوطًا من نوع آخر؛ إذ قد يستيقظ بعض الأطفال في منتصف الليل للمشاركة في اللعب مع زملائهم الموجودين في بلدان أخرى، خشية تفويت فرصة اللعب أو استبعادهم من المجموعة. وفي معرض تعقيبها، تقول هذه الباحثة: "أنتم لا تعرفون مع من يلعب أطفالكم".

وأوضحت: "يثير ذلك أيضًا مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، فقد يتواصل الأطفال مع أشخاص لم يلتقوا بهم من قبل في الواقع، ما يفرض على الأسرة ضرورة فتح حوار صريح مع أبنائهم حول الخصوصية الرقمية، وكيفية التعامل مع الرسائل المشبوهة، أو التواصل غير اللائق."

وبالنسبة إلى بعض الأطفال، تتحول الشاشات الرقمية إلى وسيلة للهروب من الواقع. فقد يحدث أن يلجأ طفل يواجه تحديات دراسية، أو خلافات مع والديه أو إخوته، إلى الألعاب الإلكترونية بحثًا عن شعور مؤقت بالراحة. وتوضح الدكتورة الحراحشة: "إنها وسيلة للهروب من الوضع الذي يمرون به، لكنها في النهاية ليست حلًا، بل مجرد راحة مؤقتة".

وفي دراسة بحثية شاركت فيها الدكتورة الحراحشة، ونُشرت في مجلة "ساينتيفيك ريبورتس" (Scientific Reports) عام 2024، وشملت 331 طالبًا وطالبة من مدارس قطر، أظهرت النتائج وجود ارتباط سببي بين الاستخدام الإشكالي للإنترنت لأغراض الترفيه، وبين ارتفاع مستويات الإرهاق الجسدي والنفسي لدى الطلاب. في حين، لم يرصد هذا الارتباط عند استخدام الإنترنت للأنشطة الدراسية والتعليمية.

وتشير المعطيات إلى أن طبيعة المحتوى والدوافع الرقمية للأطفال لا تقل أهمية عن عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات. فقد كشفت الدراسة أن ثلث المشاركين يظهرون مؤشرات واضحة على الاستخدام الإشكالي للإنترنت، حيث تبين أن أبرز المظاهر المتكررة بينهم هي اللجوء إلى الإنترنت للتعامل مع التوتر أو الهروب من المشكلات.

وقد يصبح استخدام التكنولوجيا مصدرًا للقلق أيضًا عندما يأتي على حساب التواصل المباشر مع الآخرين. وتصف الدكتورة الحراحشة هذه المسألة بأنها "خطيرة للغاية"، مؤكدةً أن التفاعل الإنساني الحقيقي يحدث وجهًا لوجه، وليس من خلف الشاشات. فقد يصل الأمر ببعض الأطفال إلى تفضيل التواصل مع أصدقائهم عبر الإنترنت على الحديث مع والديهم أو أبناء عمومتهم أو أقاربهم.

وتحذّر من أن تراجع التواصل الإنساني المباشر على مدى سنوات قد تظهر آثاره لاحقًا في صورة شعور بالوحدة والقلق وتدني الحالة المزاجية، وهي مخاطر ترى أنها قد تمتد آثارها إلى العقود المقبلة.

ومع ذلك، تؤكد الدكتورة الحراحشة أن التكنولوجيا عمومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها عدو محض، قائلةً: "هذا لا يعني أن التكنولوجيا في حد ذاتها ضارة، فهي، على خلاف ذلك، قادرة على دعم التعليم والتواصل والإبداع وتعزيز الروابط الاجتماعية. لكن الهدف المنشود يبقى كامنًا في بناء علاقة صحية ومتوازنة معها".

فما الذي يمكن لأولياء الأمور فعله؟

ترى الدكتورة الحراحشة أن الضوابط تكون أكثر فاعلية عندما يفهم الأطفال أسباب وضعها. لذا، تشجّع أولياء الأمور على التحاور مع أبنائهم بشأن أهمية هذه الحدود، وتوضيح أنها وُضعت لمصلحتهم، مع الحرص على الالتزام بها بأنفسهم. وتتساءل:" إذا لم أتمكن من ضبط استخدامي للأجهزة الإلكترونية، فكيف أتوقع من أطفالي أن يفعلوا ذلك؟".

وتضيف:" يتعلم الأطفال مما يفعله الكبار، وليس فقط مما يقولونه. ويمكن للأسر حماية المعلومات الشخصية، واستخدام إعدادات الخصوصية، وتعليم الأطفال كيفية التعرّف على محاولات الاحتيال والتواصل غير المرغوب فيه. إن أدوات الرقابة الأبوية قد تساعد في تعزيز هذا الوعي، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا عن الحوار والثقة".

وتؤكد أن مطالبة الأطفال بالابتعاد عن الشاشات وحدها لا تكفي، بل لا بد من توفير بدائل حقيقية تشجّعهم على الانخراط في أنشطة أخرى. وعن ذلك، تقول الدكتورة الحراحشة: "ينبغي لأولياء الأمور توفير بدائل واقعية والمشاركة فيها بأنفسهم، سواء من خلال المشي، أو ممارسة الرياضة، أو لعب البولينغ، أو الذهاب في رحلة تخييم. اصطحبوا أطفالكم معكم إلى الخارج، واقضوا وقتًا معًا كأسرة، واحرصوا على أن يكون الجميع حاضرين جسديًا وذهنيًا".

وتوضح أن الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا يسهم في دعم النمو الاجتماعي والعاطفي والسلوكي للأطفال، إلى جانب تعزيز الروابط والعلاقات الأسرية.

وتشير الدكتورة الحراحشة إلى أن المسؤولية تبقى مشتركة في هذا المجال؛ فمن جهة، ينبغي على أولياء الأمور الاضطلاع بدور أساسي في تشكيل العادات الرقمية لأبنائهم من خلال الحوار والقدوة الحسنة، فيما تتولى المدارس تعزيز الثقافة الرقمية والسلامة على الإنترنت، على أن يسهم مزوّدو التكنولوجيا وصنّاع السياسات في تهيئة بيئات رقمية أكثر صحة.

وخلصت إلى القول إنه "في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية الرقمية للأطفال على الشق المتعلق بمراقبة البرمجيات والمحتوى الذي يستأثر باهتمامهم، بل تشمل أيضًا مساعدتهم على اكتساب المهارات والعادات الصحية التي تمكّنهم من التعامل مع الفضاء الرقمي بأمان، وتحقيق التوازن بينه وبين مختلف جوانب حياتهم".

قصص ذات صلة

Source

Browse all updates

Related coverage

Browse all updates

Stay informed

A curated view of diplomacy, international relations and upcoming events.